فلترة
بسم الله الرحمن الرحيم،

أعتقد أَن ما يجري اليوم من أَحداث حول العالم كفيل لاصابتنا بالصداعِ النصفيِّ، مع جُرعةٍ كبيرة من الاحباط، يتبعُهُما أعراضٌ جانبيِّة من خيبةِ الأَمل و شُعُور بالأَلمِ المُتفرِّق الذي لا تستطيعُ تحديدَ منشئِهِ !! الحقيقة أَن العالم يعيش فوضوى عارمة، و أَن ما يُوصلنا إلى هذا العالم حزمةٌ ضوئيِّة فرضت نفسَهَا ببريقِها اللّامع فأصبحنا نلهثُ أَمامَ ( ما نفقد ) بين جَزيئاتِهِا الرَّنانة ذاتِ الترددِّ المغناطيسيِّ الجذَّاب.
المُشاهد أَمام التلفاز يقسمُ نفسه مرَّاتِ عديدة في الدقيقةِ الواحدة، مما يُساعد على تغلُّب مِزاجِهِ بين الفيْنَةِ و الأُخرى، يعيشُ اللحظة بين أَحداث داميَة على احدى القنواتِ الاخباريِّة يتبعُها بفاصلِ اعلانيِّ (قد) يُبددِّ ما عاشَهُ من صِراع في أَقل من نصف دقيقة، يليهِ محطةٌ غنائيِّة كفيلة بنسيَان أَحداث اليوم بالكامل و ليسَ اللحظة المُنصرمة!! ( كَم هيَ النفس مشتتة بين ذلك و ذاك !! ).
الصُحُف المحليِّة، عناوينٌ عريضة، و أخرى دقيقة، بعضها يحمل المُهم، و الآخرُ يحمل الأَهم، ترى النفس تنأى بصمت إلى تلكِ العناوين المُبسطَّة ذات المضمون السطحي، سئمت الحصار، و ضاقت بالعدوان، فمتى يثورُ الصَمت، و تنطلقُ الرَوح إلى أوجِ عطائِها، متى نقف بثبات دون تشتيت، متى نستطيع أَن ( نفلتر ) ما نُريد وقتما نُريد، متى …… ؟!!
كيف نستطيع اقناع أَطفالنا بالشُعُور تجاه ( غزَّة ) و - نحن - المسؤُولون أَمام الله عن عدم ( فلترةِ ) مشاعرهم، فهُم مذبذبُون بين هنا و هناك، الأُمَّة تُدَّمر، الأَطفال و النساء تٌهرق دماؤُهم، الرجال يُقتَّلون، و جيلُ النهضةِ يهنأُ في سُباتِهِ، لُوَّثت مشاعره بين الحقيقةِ و عدمها، سَقط بين أَنَّات تاراتاتا و أَخواتها، باتَ يسبح في بحر العتمة، و ليتنا فلترنا مشاعرنا، أّخذنا ما نريد و تركنا لهم ما لا نُريد، هكذا سننقذ أنفسنا و أَطفالنا من هذا التلوث.
لستُ أعمم، فالخير موجودٌ حتى قيام الساعة، و لكنها تذكرة، عسَى أَن نفيقَ من الغفلة، و يَا لها من غِبطة لأُناسٍ استطاعوا فلترةَ الخير عن الشر، و الطالحِ عن الصالح في كلِّ شؤون دُنياهم، أُلئكَ برأيي عرفوا طَريقهم، فـ ثبتوا و لم يتشتتوا، فهم في طَريقهم سالمون.
|